أبو الليث السمرقندي
542
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ يعني : سلوا اللّه التوفيق وَاصْبِرُوا يعني : اصبروا على أذاهم حتى يأتيكم الفرج إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يعني : أرض مصر ينزلها من يشاء من عباده ويقال الجنة قرأ عاصم في رواية حفص بالتشديد . وقرأ الباقون بالتخفيف . وهما لغتان ورّث وأورث بمعنى واحد . ثم قال : وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ أي الذين يعملون في طاعة اللّه تعالى على نور من اللّه مخافة عقاب اللّه ورجاء ثواب اللّه تعالى ، أي آخر الأمر لهم . وروي في الخبر أن مسيلمة الكذاب كتب إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم كتابا من مسيلمة رسول اللّه إلى محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أما بعد . فإن الأرض بيني وبينكم نصفان إلا أن العرب قوم يظلمون الناس فكتب إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من محمّد رسول اللّه إلى مسيلمة الكذّاب . أمّا بعد فإنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين » . قوله تعالى : قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا يعني : إن قوم موسى قالوا لموسى : إنهم قد عذبوا قبل أن تأتينا بالرسالة وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا لأن قوم فرعون كانوا يكلفون بني إسرائيل من العمل ما لا يطيقون ، وكان آل فرعون لا يعرفون شيئا من الأعمال ، وكان بنو إسرائيل حذاقا في الأشياء والأعمال ، فكانوا يأمرونهم بالعمل ولا يعطونهم الأجر . ف قالَ لهم موسى عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ يعني : فرعون وقومه وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي : يجعلكم سكانا في أرض مصر من بعد هلاكهم يعني : من بعد هلاك فرعون وقومه فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ يعني : يبتليكم بالنعمة كما ابتلاكم بالشدة ، فيظهر عملكم في حال اليسر والشدة ، لأنه قد وعد لهم بقوله تعالى : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [ القصص : 5 ] . ويقال : فينظر كيف تعملون من بعده يعني : من بعد انطلاق موسى إلى الجبل فعبدوا العجل . قوله تعالى : وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ أي : بالجوع والقحط وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي يتعظون ويؤمنون فلم يتعظوا . قال اللّه تعالى : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ يعني : الخير والخصب والرخاء قالُوا لَنا هذِهِ يعني : نحن أهل لهذه الحسنة وأحق بها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يعني : القحط والبلاء والشدة يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ وأصله يتطيروا فأدغمت التاء في الطاء . كقوله : يَذَّكَّرُونَ أي يتشاءمون بموسى ومن معه على دينه . قال اللّه تعالى : أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يعني : إن الذي أصابهم من عند اللّه وبفعلهم . ويقال : إنما الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به في الآخرة لا ما ينالهم في الدنيا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أنه من اللّه تعالى ولا يعلمون ما عليهم في الآخرة .